عدة أخبار تم تصديرها فى القاهرة بخصوص العلاقات الثقافية الإيرانية التي يشوبها الكثير من توتر العلاقات السيئة السياسية بين الحكومتين منذ سنوات أول الأخبار كانت قبل زيارة وزير الخارجية الإيراني لاريجانى للقاهرة حيث أوردت الوكالة الإيرانية وكالة عصر إيران للأنباء أن رئيس مكتب رعاية المصالح المصرية في طهران السفير علاء الدين يوسف، أكد خلال اجتماع مشترك مع رئيس مؤسسة التراث ألثقافي الإيراني، ضرورة اكتشاف الآثار التاريخية للجيش الإخمينى بمصر، وقال "إن هذا الموضوع مهم لمصر كما هو مهم بالنسبة لإيران وسنتابعه بشكل جاد". ووصف علاء الدين يوسف في تصريح للصحفيين، اجتماعه المشترك بالوفد الإيراني بأنه مفيد، وقال "إن اكتشاف الآثار التاريخية المتعلقة بالجيش الأخمينى فى مصر يعتبر نقطة مشتركة وانطلاقة للتعاون المشترك بين البلدين"، مؤكداً أن مصر ستضع مؤسسة التراث الثقافي الإيراني في الصورة حال حصولها على معلومات جديدة وإجراء الأبحاث الكاملة. واعتبر يوسف وفقاً للوكالة الإيرانية الأبحاث التي ستجرى حول هذا الموضوع بمثابة أداة يمكن من خلالها تطوير التعاون المشترك بين البلدين في المستقبل، وقال "إن الاكتشافات التى من هذا النوع لبلد مثل مصر يمتلك حضارة عريقة لا يعد موضوعاً جديداً ومهماً "، لافتاً أن إيران بلد متقدم في مجال صيانة وحفظ الآثار التاريخية... كان هذا الخبر الذي أوردته كما جاء في سياقاته من الصحف المصرية يتبع برد فعل عنيف من رموز الثقافة المصرية حيث نفت وزارة الثقافة المصرية أنها لاتعلم أي شيء عن تصريحات السفير ونفى الدكتور مختار الكسبانى مستشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور زاهي حواس وجود تعاون ثقافي مصري إيراني قائم في الفترة الحالية فى مجال الآثار.
ما تم اكتشافه بالفعل من آثار إيرانية عبارة عن مجموعة قليلة من البرديات المكتوبة باللغة القبطية عن إيران، بالإضافة لشكل العمارة فى منطقة الواحات، والتى تأثرت بالعمارة الإيرانية، مؤكدا أن هذه الاكتشافات قليلة جدا، ولا يمكن أن تكون مدخلا للبحث عن آثار إيرانية إلا إذا طالب الجانب الإيرانى بذلك. لم يقتصر الأمر على ذلك أيضاً حيث جرت الصحف الأثريين المصريين للدخول فى السجال الدائر عن تلك الأخبار "الفرس احتلوا مصر ومكثوا بها فترة ولكنهم لم يتركوا آثارا فارسية" ،هو ما أكده الدكتور "محمد إبراهيم بكر" الرئيس السابق لهيئة الآثار، وأضاف: بعض الكهنة المصريين حاول التقرب من الولاة الفرس وحاول الفرس من جانبهم تسجيل أسمائهم على بعض الآثار المصرية، لكن هذا لا يعنى أن لهم آثارا فى مصر، وأرجع "بكر" السبب فى ذلك إلى أن مصر تحتفظ بالعديد من الآثار للشعوب المختلفة التى مرت بها مثل الفرس والآشوريين والإغريق، لأن المصريين اهتموا بتسجيل الأحداث، لافتا النظر إلى أن هذا لا يعنى وجود آثار إيرانية.
وأكد "بكر" أن الأثريين المصريين لم يعثروا من قبل على آثار للفرس وتساءل مستنكرا: «لا أعرف ما هو سبب سعى مؤسسة التراث الثقافى الإيرانى للبحث عن آثار فارسية فى مصر رغم أنه لا يوجد أية أدلة تاريخية» هذا رأى أثرى واحد فقط من عشرات الأثريين المصريين الذين نفوا وجود أى آثار للاحتلال الفارسى فى مصر. المثير للدهشة أن تلك السجلات الثقافية العنيفة على صفحات الصحف المصرية تبعها تصريح الناقد جابر عصفور الذى صرح بأن ترجمة الثقافة الفارسية إلى العربية لكسر الاحتكار لمركزية الثقافة الغربية والأمريكية وأن المجلس القومى للترجمة الذى يرأسه أصدر ترجمة للمثنوى لجلال الدين الرومى وإشرافات التبريزى لأن الثقافة لادخل لها بالسياسية ..نعود لسؤالنا الأول الذى طرحته الصحف المصرية ونفاه الأثريون هل صحيح لاتوجد آثار إيرانية فى مصر وحقبة الاحتلال الفارسى لمصر الذى بدأ تاريخياً بعد نهاية عصر أحمس الثانى إثر وقوعها صريعة فتنة داخلية؟ لماذا ينفى الأثريون المصريون وجود آثار فارسية قديمة فى مصر ولا يستطيعون نفى الآثار الرومانية واليونانية رغم أنهم أيضاً كانوا كالفرس غزاة ومحتلين؟ هل لعبت السياسية دوراً فى النفى وما دخل الثقافة والعلم بالسياسية وهل يكون من المحتم ـ ستلهام التاريخ هنا لصد محاولات الانكار فى حقل الثقافة ؟ هذه الاسئلة كانت ضرورية عندى وأن أندهش من تناقض كلام الاثريين ومن آثارة الصحف المصرية للعلاقات الثقافية المصرية الإيرانية وكانت الصدفة وحدها هى التى قادتنى للعثور على بحث تاريخى أدبى ظهر قبل السجال الدائر الآن وقبل زيارة لاريجانى على يد الدكتور رفعت عبدا لله سليمان مدرس اللغة والأدب الفارسى بجامعة جنوب الوادى ( بعنوان ..صورة صعيد مصر فى كتابات الايرانيين عبر العصور ) الذى التقيته وأعطانى نسخة منه منذ 8 شهور بالتقريب فى مكتبه بالجامعة الذى وصفه لى أنه من البحوث الرائدة وهو فعلاً من البحوث الرائدة فعمق البحث وجديته يجعل هنا أقوال الأثريين المصريين فى نفى أى آثار عظيمة للفارسيين أو اتصال بين الثقافة الفارسية والمصرية محض شك كبير فهو يثبت إسهامات تلك الثقافة وإعجابها بشكل شخص بالثقافة المصرية واستلهام الثقافتين لروح الثقافة الجادة فى الحياة وإقامة العمائر ..يجيب الباحث فى بحثه عن سؤال لماذا كان الصعيد هو بالأخص الموجود فى كتابات الرحالة الإيرانية ونيله الخالد؟ بأن الصعيد ببعده الجغرافى صار مركزاً للغزاة والمعتدين وهو مركز للآثار التى شهدت قصة زليخا وسيدنا يوسف التى يحتفى بها الأدب الفارسى مثلما قص الشاعر العظيم الفردوسى والمدهش كما يقول الباحث إن شعراء الفرس العظام جمعوا تطابقاً كبيراً فى أشعارهم بين نهر النيل ونهر زنده رود الذى يمر بمدينة أصفهان فحافظ الشيرازى يذكر المقارنة فى شعره بين النهرين النيل وزنده كأنهما عناق بين المصريين والعجم وبذلك يكون قد مهدا للخيال بالحقيقة فى توكيده للواقع فى التاريخ فى ترجمة لأشعار الشيرازى.
يستعرض الباحث قصة الغزو الفارسى لمصر على يد كبوجيه المعروف باسم قمبيز) (527- 406 ق م) وتمكنه من احتلال مصر رغم المقاومة الشديدة من المصريين وإرسال حاكم مصر بسماتيك الثالث كأسير إلى بلاده وإلى قضاء معظم سنوات حكمه مقاوماً لثورات المصريين العنيفة حتى إنه أُجبر على احترام عقائدهم ولم يأمر بذبح العجل المقدس ( أبيس) وبعد انقضاء عصره جاء دار يوش ( دارا) حاكما لمصر وليبيا معاً حيث كانت خاضعة للتاج الفارسى أيضا ودارا الذى زار معابد المصريين وكلف الكهنة المصريين بتعمير المعابد وأبدى اهتمامه بأمور المصريين وشئونهم فى الرى حتى أنهم وصفوه بأنه أحد الفراعنة وكان فى عصره امتزاج حضارى وثقافى عميق بين البلدين حيث إنه أوفد إلى فارس الكثير من عمال مصر وأهل الحرف فيها كما استقدم من بلده عمالاً وحرفيين لاكتساب الفنون والعمارة والنحت من المصريين قام دارا أيضاً بإعادة شق قناة الملك المعظم سنوسرت الثالث التى كانت تربط بين البحر الأحمر ونهر النيل لتسيير حركة التجارة وهو الذى جعل المصريين يتعاملون لأول مرة بالدرهم الفارسى حيث مصر لم تعرف سك النقود المعدنية بالشكل المعروف التقليدى طوال العصر الفرعونى رغم استخدامهم للعملة المعدنية فى التجارة الخارجية بل اتخذ هذا الملك الفارسى أو حظى بلقب ( أمن رع ) معبود الفراعنة المبجل من هذه الأدلة التاريخية يدحض هذا البحث إنكار الأثريين المصريين لعدم وجود آثار فارسية فى مصر وعدم إسهام الغازى الفارسى بإسهامات تستحق التقدير فى دفع حركة الامتزاج الثقافى بين البلدين يذكر الباحث بدقة أن قصة سيدنا يوسف وزليخا التى حدثت فى عصر الهكسوس كانت محط أنظار الرحالة الإيرانيين فى صعيد مصر وأن استحمام يوسف النبى فى النهر وعبور موسى النبى هارباً من الفرعون كان يمثل بدايات مهمة للحديث عن معابدها وأهلها وعمارتها والحياة اليومية للبشر ومعتقداتهم وطوائفهم بداية من ناصر خسرو الذى زار مصر عام 1047م حيث عاش قابعاً بها 3 سنوات ومروراً بالشاعر مسعود سعد سلمان الذى ذكر قصة النبى يوسف وموسى عليهما السلام فى مصر هذا بجانب تحليلات الباحث العميقة للشعراء الأنورى والخاقانى الذى لايخفى كراهيته لمصر فى شعره لأسباب ومواقف خاصة به .
يجزم الباحث أن مصر موجودة وستظل فى الثقافة الفارسية والإيرانية فتلك القصص العظيمة التى خرجت من أفواه شعرائها لاتكف عن الحديث عنها مثل قصة ( اسكندر نامة ) التى قام بنظمها فى القرن السابع الهجرى الشاعر العظيم نظامى الكنجوى الذى يتحدث عن فتوحات الإسكندر ودخوله لمصر وتوغله جنوباً حتى الصعيد ليشاهد أرم ذات العماد التى ورد ذكرها فى القرآن الكريم فهو اختلط عليه الأمر بين مدينة الأقصر والمدينة التى تم ذكرها فى الكتب المقدسة هذا بجانب ذكر نهر النيل فى اشعار كل من الشيرازى وسعدى وخسرو الدهلوى ووحشى البافقى ..فى نهاية بحثه يتحدث الباحث عن الرحالة الايرانيين الذين زاروا مصر وبعض محافظاتها دون المرور على الصعيد مثل سيف الدول سلطان الذى زارها فى بداية نهضتها التعليمية الحديثة فى عصر محمد على وفرهاد ميرزا والذى ذكر رحلته لمصر فى أكثر من 13 بيتاً من الشعر الفارسى وأخيراً الرحالة الايرانى مهديقلى هدايت الذى زارها واصفاً بعض المدن الحديثة .
تبقى الأسئلة هنا ضرورية بعد استعراض التاريخ لعمق الثقافة المصرية الإيرانية لماذا ذلك التنصل من ثقافة كانت تحتفى بمصر ؟ وأماكنها؟ هل قدمت الثقافة العربية أيضا عيوناً رحلت إلى أرض الملالى وكشفت عن هويته وعن ثقافته الموجودة والقابعة هناك ؟ كل شىء يؤدى إلى لعن السياسة التى تتنصل من الجذور وإلى تمجيد الثقافة التى تحتفى بالجذور وإلى التسامح وقبول الآخر حتى لو كان مختلفاً معنا.