الجرائم الثأرية وأحداث العنف المتلاحقة التي تشهدها محافظة قنا وآخرها التي وقعت في قرية الحجيرات شمال مدينة قنا بنحو 15 كم عندما فوجئ الاهالى في القرية وهم يقدمون العزاء في الذكرى السنوية لأحد أفراد أإحدى العائلات بوقوع تبادل لإطلاق النار بين مجموعة من المعزين وأصحاب المأتم لتتحول ذكرى الوفاة إلى 7 مآتم جديدة ليستعد الاهالى لتشييع سبع جثث بينها جثة سيدة مسنة مزقتهم النيران التي انطلقت من الأسلحة النارية فضلا عن 3 مصابين آخرين في المذبحة ومن بعدها قيام أفراد من عائلة المجني عليهم برد الثأر مما أسفر عن مقتل شخص واصابة 3 آخرين. تستدعى السؤال عن السبل التي توقف تفشى ذلك المرض العضال الذي يتفشى يوما بعد يوم في مجتمع طيني يستنكر كل ما هو جديد ويزداد تمسكا بموروثاته وعاداته حتى لو كانت تسفك الدماء مجانا؟
الثأر في مجتمع قنا شيء واجب النفاذ لا يعوقه القانون ولا الأحكام التي يقضى عقوبتها المتهمون في تلك الجرائم لأن المجتمع الصعيدي ينظر إلى من لا يأخذ ثأره بيديه وكأنه متخاذل وربما جبان ولا يستحق أن يحمل اسم عائلته لذلك فان الثأر لا يسقط بالتقادم . حيث تكون هناك حالة من التأهب والانتظار للمتهمين في تلك الجرائم من قبل أهل القتيل لتصفية الثأر بعد قضائهم العقوبة في السجن وهو ما يجرى غالبا في تلك الجرائم، وهذا يرمى إلى أن مجتمع الصعيد ربما لا يعترف بسيادة القانون وهيبة الدولة في قضية الثأر بالتحديد حيث ينحى القانون جانبا وتصبح البندقية هي الفاصلة بين طرفي الخصومة . ورغم أن الدولة تدرك تماما ذلك الأمر ألا انه لم يتم طرح رؤية أو برنامج يعالج تلك الإشكالية البالغة التعقيد وذلك مرتبط بحالة غياب التنمية والتقاعس عن طرح فكر بديل عن عادة الثأر وتحجيمها أولا كخطوة أولى للقضاء عليها حتى ولو بتشريع عقوبة خاصة رادعة لمرتكبي الثأر . ولكن الذي يحدث هو مسكنات سريعة للمرض وهى المصالحات الثأرية العرفية التي تعمل على تقريب وجهات النظر بين طرفي الخصومة وتستخدم " القودة " كنية رمزية من الطرفين بقبول الصلح رغم أن ذلك الحل المتبع حاليا لا يتسق مع كيان الدولة المؤسسية؛ وهو أكثر تناسبا مع مجتمعات البادية التي تحكمها قوانين العرقيات والقبائل ؛ فدولة المؤسسات وحزب الفكر الجديد لا يزالان يريان الصعيد وكأنه مجتمع من الرعايا لا مواطنين .
قرية الحجيرات واسمها ينسب إلى «حجي» أول قاطنيها وهناك تجمعات عائلية بنفس الاسم في قرى «هو» بمركز نجع حمادي ونجع الحجيرى بمركز قفط وفى الوجه البحري ، تضم 6 نجوع توابع لها ويعيش فيها نحو 40 ألف نسمة من السكان الذين يعملون غالبيتهم بالزراعة وان كانت القرية أصبحت طاردة للسكان بسبب قلة فرص العمل وهو ما جعل كثير من أهلها يغتربون عنها للعمل بمهنة متواضعة في الإسكندرية أو في دول الخليج . الخصومات الثأرية وتجارة المخدرات وتصديرها لعناصر متطرفة هي التي صنعت سمعة الحجيرات السيئة منذ عقود الطبيعة الجغرافية والتضاريس الوعرة التي يستعصي تمشيطها امنيا جعل القرية حصنا يصعب اختراقه وهو ما سهل للكثير من المطلوبين امنيا والمسجلين خطر أن يعيشوا طلقاء وهم يحملون السلاح وكان منهم احد القتلى في المذبحة الأخيرة الهارب من سجن المؤبد ، ويبدو أن تلك الطبيعة شكلت بالطبع شخصية السكان وخصالهم الصعبة واحتفاظهم بعاداتهم القديمة والدموية حتى الآن وهى نفس التركبيبة السائدة في القرى التي يحتضنها الجبل على طول الطريق الشرقي الذي يؤدى إلى قريتى ابوحزام وحمة دوم شمالا اللتين تتشابهان في الطبيعة الجغرافية وتركبية السكان والعادات الدموية مع الحجيرات .
الحجيرات تحكم ذاتيا من أهلها ذوى النفوذ وهذا هو الواقع المرير فيها الذي يئن منه مواطنوها، التنفيذييون في قنا اسقطوا القرية من حساباتهم لم يطأها اى من المحافظين منذ عقود ولم تدرج على أجندة التنمية والتطوير وكأن عقابا جماعيا يمارس على أهلها على خلفية سمعتها السيئة، الذي يتجول في القرية يدرك تماما ذلك ويرصده ، مدخل القرية الذي تم بناءه بالخرسانة وطلاؤه باللون الأخضر مؤخرا هو الشيء الوحيد الذي طاله التطوير فيها ! هي ارض الخوف لأنه هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يؤمن لسكانها حياتهم لأن الذين يقتلون دماءهم باردة ولا تدرك بنادقهم وجهتها جيدا فتصيب من تصيب من الأبرياء الذين ينجرف أهلهم في نفس المسلسل البغيض القتل أخذا بالثأر للأقارب وأبناء العمومة ، لا يعيش السكان في الحجيرات حياة طبيعية بالمرة عيونهم أدمنت الترقب وآذانهم تعودت على أصوات النيران حتى الشباب الباقي فيها والذي لم يهجرها يخشى أن يرتاد مركز الشباب لأن موقعه بعيد وهو قد يكلف احدهم حياته وهو في طريقه إليه بسبب الجرائم الثأرية المتلاحقة التي تشهدها القرية ، الأغرب في تلك القرية أن هناك بعض المناطق بها يتم حظر التجوال فيها من بعد صلاة العصر تحسبا لحروب الشوارع بين المتخاصمين بعد أن يشترى السكان أغراضهم مضاعفة.. الأسعار حتى بالنسبة للسلع التموينية المدعمة، وبها مناطق أخرى قد تخلو قريبا من الرجال لتصبح مناطق للمترملات والجدات الثكالى والأيتام بعد أن وصلت نسبة المترملات بسبب جرائم الثأر إلى 80% بين النساء ، ويبدو أن التنفيذيين يستعذبون ذلك حتى أنهم تركوا القرية تغرق في الظلام الدامس بسبب عدم تجديد الأعمدة بالشوارع التي لم ترصف منذ ثمانينيات القرن الماضي ويصف الاهالى حياتهم بالصعبة وهم يفندون الخدمات الأساسية التي تخلو منها القرية وهى مياه الشرب النقية ووحدة شئون اجتماعية لصرف المعاشات للمترملات المتزيدات وسيارة إطفاء ، والمدهش انه لم يجرؤ طبيب حتى الآن على أن يفتتح عيادة نساء وتوليد بالقرية! وهو ما يجعل الاهالى يلجأون لمستشفى قنا العام.
وإذا كانت المعارك الثأرية تنشب بين القرى والعائلات ذات الأعراق المختلفة فان «الحجيرات» تسجل ظاهرة جديدة في أن مجمل الجرائم الثأرية داخلية بين الاهالى بعضهم البعض باستثناء عدد قليل منها، ففي العام الماضي سجلت نسبة مرتفعة من تلك الجرائم بلغت 200 جريمة قتل وشروع فيه كان آخرها مذبحة الخميس الماضي وسبقتها جريمة أخرى في 10 يناير الماضي عندما أطلق 4 أشخاص النار علي وكيل مدرسة القرية الإعدادية خلال وجوده بالمدرسة مع بداية أول يوم لامتحانات نصف العام فلقي مصرعه بينما أصيبت طالبة بالمدرسة نتيجة إطلاق الرصاص بصورة عشوائية.
مذبحة الحجيرات الأخيرة والتي تعد الثانية من حيث عدد القتلى بعد مذبحة بيت علام والتي قتل فيها 22 شخصا في تسعينيات القرن الماضي تنذر بتبعات أكثر سوءا على المنطقة فربما تسود فكرة القتل الجماعي خاصة مع تغير أعراف الثأر القديمة وهى تنحية الأطفال والنساء عن التصفية الجسدية في تلك الخصومات ورغبة الاطراف في تصفية اكبر عدد من خصومهم رغبة في الانتقام الجامح ولتسييد أنفسهم على الطرف الآخر، رأينا في المذبحة الأخيرة مسنة تقتل ومن قبلها أطفال في جرائم سابقة وهذا يجعلنا نصل إلى أن «تخليص الثأر» بحسب ما يطلق عليه في الصعيد، يسير في اتجاه خطير جدا مستقبلا، فالمخاوف من سيادة فكرة القتل الجماعي بدلا من الانتقاء الفردي طبقا للهوية العائلية أو القبلية مثلما كان يحدث قديما، شيء يؤرق كثيرا من المراقبين خاصة انه حدث بالفعل في مذبحة العزاء الأخيرة، في الوقت نفسه تبدو الحلول المعمول في مثل تلك الحوادث وهى فكرة تهجير احد الأطراف المتخاصمة من المنطقة بعد بيع أملاكها ثم أو هدمها والغرامات المالية لم تعد مجدية ، ففضلا عن إنها حلول مجحفة للبعض تردع طرفا وتعطى جموحا وسطوة للآخر، فإنها ما عادت كافية لوقف ذلك العنف والدليل أن الجرائم الثأرية لم تتوقف.
تغيير التركبية المعيشية للسكان والتنمية الشاملة للمنطقة هي أول الحلول البديهية فالمجتمعات الفقيرة تسودها دوما أفكار عن السيادة والسطوة العرقية بعد أن افتقدت السطوة الاقتصادية بل والحياة الكريمة بحسب آراء باحثين في علم الاجتماع، وهناك تجارب واقعية لمنطقة تقع في شمال قنا كانت تشتهر بالنشاط الاجرامى حتى تم انشاء مجمع الالومنيوم الصناعي ليستوعب هؤلاء وتحولت المنطقة بعدها إلى مجتمع عمالي يعيش في هدوء. وفى الحجيرات التي اختلط فيها الثأر بالنشاط الاجرامى لبعض العناصر المعروفة لابد من أن تكون هناك جدية في تنمية المنطقة، ولكن يبدو ذلك غير مدرج على الأجندة الحكومية فمنذ أن أعلن في مطلع التسعينيات عن تحويل الحجيرات» إلى قرية نموذجية على خلفية تصديرها عناصر متطرفة استهدفت السياحة في قنا. كان ذلك التاريخ بداية سقوطها من ذاكرة الحكومة !